انا بعشق البحر
و ساعات زيك مجنون
اشعر وكأن النوستالجيا سوف تقتلني يومًا ما، أشعر وكأن روحي تريد أن تذهب إلى هذا الزمن، وأن أكون هنا، وأن أبقى هناك دون الرجوع إلى هذا العالم المتوحش، هذا العالم المليء بالرأسمالية والاستغلال والتشييء أكثر وأكثر.
أكون هناك، في عالم مليء بالأشجار يمكن، أو مليء بعبد الوهاب وأم كلثوم، وصراعات سياسية، وتطور اجتماعي، ونحو تطور تكنولوجي.
The holidays have a way of bringing up fond memories that can warm your heart. But are there any actual health benefits to nostalgia? It’s more than just a longing for the past, and as Anthony and Laci explain, these sentiments can be quite good for us
عندما تختنق روحك، تلجأ إلى بيت جدتك الذي طالما اجتمعتم فيه، وطالما كنتم هنا تلعبون وتمزحون،
( عندما كنا لا نحمل همًا )، نلجأ إلى تذكر رحلة عائلية اجتمعنا فيها وكنا في حالة من خفة الروح لا ندركها الآن، كنا حقًا في حالة من الحياة، والشعور بالوقت، وبأنفسنا، وبحبنا، وتدللنا.
قد تلجأ إلى متجر أو طريق إلى هذا المتجر ( يُدعى باندا في السعودية ) حتى تشعر بأنك بأمان، وأنك تستطيع أن تستشعر الأمان من جديد.
كم شعرت بالنوستالجيا عند مد نظري إلى البحر، شعرت وكأنني البحر نفسه، وأذوب فيه دون أن يعرفني أحد، أتخبط بين الصخر وأهجم عليها مرة أخرى بأمواج، وصوت الـ duduk يتسلق إلى أذناي عندما أرى البحر.
البحر في شأن لا يعلمه غيره، ومع ذلك يصبح البحر فيّ كل نفس، كأن السبعين في المائة من روحك تشتاق إلى البحر، والموج تشتاق إلى أصلها وعودها ونقائها.
أميل إلى أن أتموج فيه بكل تفاصيلها، أن أكون في كل قطراته، أن أقفز حيث لا عودة، ويظنون أنني غريق، بل إنني أعود إلى أصلي وموطني.
أصلي وروحي يريد البحر أن ينتصر عليهم ويقول لهم: ها قد رجع لي الأول، فيجعلني أرتفع، ثم يخشى فقدي فينزل بي مرة أخرى حتى أختنق، حتى تمتلئ الروح، ثم يشفق على حالي بحب، ويعود ليريهم أنني من اخترت أن أنضم له.
في عمر العيون أو أكثر — عمرك يا بحر كعمري.
في روح الشمس أو أكثر — روحك يا بحر أكثر.
في مدار الوجود أو أوسع — روحك يا بحر أوسع.
في تلألؤ النجوم واحتراقها — موجك يا بحر أحرق.
في كثير الكلمات والحروف — حروفك يا بحر أبطن.
في وجودي أو انصرافي — وجودك يا بحر أبقى.
تخيل أن تشعر بما يدفئ قلبك من ذكريات، ومع ذلك قد يكون من الممكن أنك لم تعش قط هذه الذكريات فعليًا، بل تسقط على هذه الذكريات نفسك وكأنك تفتقدها، ومع ذلك هي لم تحدث لك قط.
النوستالجيا ليست مجرد إسقاط تسقطه على أحداث لم تحدث معك، بل هي طريقة للهرب اختلقها، لكن هرب يجعلك تشعر بالسعادة والحنين والدفء.
عندما يصبح الواقع أكثر مما لن تستطيع تحمله، تعتمد على النوستالجيا لتهرب وتحاول أن تجد نفسك في زمن آخر غير هذا الزمن، في زمن ترى فيه أنه أهدأ، داعم أكثر للروح والدفء.
وهكذا أجد نفسي مشتاقًا إلى التجول في حواري بغداد الجميلة. قليلة هي المدن التي تجوز أسوارها أول مرة فتشعر أنها كانت تنتظر وصولك، تلقي على خطواتك الأولى عتابًا مشوبًا بالحنين، وشوقًا محفوفًا بالرضا.
هكذا استقبلتني بغداد، وأنا واحد بين مئات حملتهم رياح النوستالجيا إلى هنا، غير أني شعرت أنها حيتني وحدي، تحية المدن السخية للغرباء المتعبين.
على ملامحي، مذ دخلتها، علامات اندهاش تشبه تلك التي ترتسم على الأوجه عندما يعانقك من لا يعرفك، ويحبك من لم يلتقك، ويصفك من لم يرك.
تظل الدهشة حاضرة زمنًا طويلًا حتى تنتهي المدينة من تلقينك دروسها الأولى: كيف تمشي على ضفة دجلة ويبقى قلبك خلف أضلعك لا يجري به النهر؟ كيف تمر بالرصافة دون أن تستوقفك كل نخلة بحكاية جديدة لا تعيدها في اليوم التالي؟ كيف تتجول في أسواق الكرخ دون أن يترك كل عطار وزجّاج وصائغ في سمعك قولًا لا يفارق ذهنك طيلة النهار؟
هذه المدينة، قرنًا بعد قرن، تقرأ الأرجل أحيانًا وهي تمشي أكثر مما تقرأ الأعين في بطون الكتب.
وفي كل يوم كانت تمنحني سياحة جديدة، إذا دخلت درب الزعفران وجدت طيوبًا للفرس، وطيوبًا للعرب، وطيوبًا للترك، وأخرى للروم والهنود والكرج، كلها تصنع في بغداد.
وإذا اقتربت من البيمارستان ظهرت حوانيت الصيادلة على جانبي الطريق، وهم مشغولون بأنابيقهم وبوادقهم، ينقعون عشبة في سائل، ويخلطون ذرورًا بمرهم، ويقطرون ويخلطون ويحرقون، ويصفون على أبوابهم كل دواء في قنانٍ صغيرة.
وفي سوق البزازين من القماش ما يكسو الأرض ويفيض عنها، من القطن والكتان والدمقس والحرير، تحيط به أسواق الندافين والصباغين والغزالين.
وإذا دخلت سوق الوراقين لم يكفني فيه يوم واحد لأطوف به، فضلًا عن أن أقف على ما فيه، فمن لم يكن يعرف حاجته قبل دخوله فلربما تاه في أنحائه كما حدث معي أول مرة، ولربما صادفتك فيه مفاجأة.
وإلى جلسة طرب تجمعني بعبد الوهاب، وبعدها جلوسي على قهوة لا تذيع إلا أغاني أم كلثوم، وما إن أشعر بالملل أجد نفسي أمامه، هو ما يزال كما هو مهما تغيرت السنين: البحر.
أذهب إلى الإسكندرية حيث أجد روحي تلمع هناك، ولكني أختار أن أكون معهم هناك، حيث الفن يمكن، حيث الشعر يمكن، حيث الثورات يمكن، ولا أجدني أبدًا أفتقد البحر الآن، لأن فوضاه قلت عني تأمله، وحين يقول لي ما يريد قوله البحر أذهب إلى شوارع الإسكندرية التي لا بد أن أختارها قديمًا، حيث فن العمارة، حيث العمارات المزخرفة وفنها، حيث الشوارع التي لا بد أن تجد بها روحك.
ولكن لا تذهب إلى هناك الآن، فتجد مكان كل هذا فنًا أيضًا ولكن بلا روح، وقد ينتهي الفن عند رغبة مالك أراد بالفن الذهاب إلى الجحيم، وأن يدخل في جذوره الرأسمالية.
فأجد نفسي بعدها في حالة من الترحال بين بيروت ودمشق والقاهرة في الألفينيات، وأرى الثورة الجماعية وأرى أثرها، ومن بين آثارها أرى طفلًا ذاهبًا ليقضي أمورًا قد طلبتها منه جدته، ومن عدى الطفل حتى رأى جثة هامدة فتجنبها وقال: ستنفجر بعد أربع أو ثلاث، وحتى مرت سيارة فصلت رأس الطفل عن جسده، فلم يلحق الطفل التأكد من صحة فرضيته.
ثم أقف على أسوار عمارة كبيرة تكشف الميدان، مزدحمًا بأصوات متداخلة؛ هتافات بعيدة، خطوات متسارعة، بائع شاي يحاول أن يواصل يومه وكأن الوطن لا ينزف على بعد أمتار، وعجوز ينظر من شرفته بصمت من رأى كل شيء حتى تعب من الدهشة.
وأرى جثمان أحد ساقطًا على الأرض والجميع حوله، وشيماء الصباغ تسقط وردتها، وفي الخلفية كانت القاهرة مستمرة بشكل مخيف، السيارات تتحرك، الباعة ينادون، أحدهم يشعل سيجارة، وآخر يمر بجانب المشهد لأنه تأخر على عمله.
وأعود لأبكي على حالتي حتى أظنني جننت، فأشعر بالسكينة بعدها، وأشعر كأنني زرت ورأيت ما لم يرَ أحد.



جميللل
فعلا شعور البحر موجود في المقال