التكنولوجيا كدين جديد
تامل في عصر مشاووم
الدين ليس فقط مجموعة طقوس أو إيمان بإله؛ هو نظام معنَى يشرح العالم، يقدّم تبريرات للسلوك، يوزع السلطة، ويؤسس جماعات بقيم وممارسات مشتركة. عندما نقول إن التكنولوجيا صارت “دينًا”، لا نعني تشبيهًا، بل تشخيصًا لوظائفٍ اجتماعية ونفسية تقوم بها الأنظمة الرقمية: تفسير الواقع، منح سلطة معرفية، تنظيم الأخلاق اليومية، وصنع قداسة.
الكاهن الأعظم: الخوارزميات
الكاهن التقليدي يمتلك ثلاث قدرات أساسية: تفسير نصٍّ مقدَّس، تحكيم نزاعات المجتمع، ومنح شرعية للأفعال عبر طقوس. وهنا يظهر الثغرة والتشابه: الهرمنيوطيقا الآلية الخوارزمية، تفسّر الواقع، تَرَشِّح محتوى، تصنف هوية المستخدم، وتنتج “تفسيرًا” عن حالة العالم عبر نواتجها (ترتيب، تقييم، توصية). هذه التفسيرية ليست مجرد تقنية؛ هي إنتاج لمعنى اجتماعي بناءً على افتراضات تصميمية ومصالح اقتصادية.
التحكيم المباشر، قرارات الوصول والظهور والتعويض، لا تمر دائمًا بمؤسسة قضائية أو مجلس أخلاقي؛ بل تقررها قواعد أتمتة: من يُعرض عليه وظيفة، من يُصعد تدوينة، من يُحجَب. القرار هنا يمارس سلطة تشبه الحكم الطقسي.
بينما يطلب الكاهن طاعة استنادًا إلى نصٍّ أو تقاليد، تطلب الخوارزمية طاعةً استنادًا إلى نتائج فعّالة: “هذا الجهاز/هذا النظام نجح في توقع رغباتك؛ اتِّبع توصيته”. الفعل التحكمي يصبح مشروعًا لأنّه مُنتج لنتائج قابلة للقياس (المُشاهدات، معدلات النقر، التحويل).
الاعتقاد بأن الواقع قابل للتجريد إلى أنماط تكفي للتوقع. هذه العقيدة تُقوِّي الثقة في القرارات الآلية، وتحوّل القيم الأخلاقية إلى دلالات معيارية قابلة للقياس. في العقائد التقليدية، النوايا لها وزن أخلاقي؛ في مجتمع الموديلات، النية تُهمَش، لأنّ الحكم قائم على ما تم رصده. أيّ فِعل قابل للقياس يُسَوَّق كحقيقة مُرشِدة، وبهذا ننتقل من أخلاق النوايا إلى أخلاق الفعل المرصود.
حين تقدم نفسك وتؤدي الطقوس الصغيرة: تسجيل الدخول، الموافقة على شروط الاستخدام، النقر على إشعار… كل هذا يحافظ على شرعية النظام ودخوله في كل شيء. إن الكتب الدينية لا يقرأها أغلب المؤمنين، وكذلك الشروط لا يقراها أغلب المستخدمين، لكن الفرق هو أنك تسلم نفسك بطريقة دائمة.
التسليم الدائم للخوارزميات يجعل هناك شرعية، لكن شرعية وتميّز من نوع مختلف وأكثر من مختلف؛ وهي شرعية الاحتكار المعرفي: الشركات والمنصات تملك بيانات ضخمة ونماذج متقدمة لا يستطيع المواطن العادي الوصول إليها، فتتشكل فجوة شرعية معرفة مهيمنة تجعل الخوارزمية تبدو كمرجع نهائي.
ولكن نجد، مثلاً، فوكو يعبر عن هذه المسألة، ويقول عنها: تطبيع السلطة، وفي مختصرها: إن السلطة تجد شرعيتها ليس فقط بالقوة الخشنة، بل عبر ممارسات معرفية تحول الناس إلى قواعد سلوكية.
وهنا ياتي السؤال: ما هي القواعد السلوكية؟
ببساطة: أن يتحول الإنسان إلى مسخ، وفي بعض الأحيان إلى حشرة. عندما يستيقظ مبكرًا، يصبح الإنسان نتيجة إلى منظومات تعيد تشكيل جسده وعقله وسلوكه وفق ما تريده السلطة. الإنسان يتحول إلى “مشروع مراقبة”، يتصرف كما لو كانت هناك عين داخلية تراقبه، فيطبق القواعد على نفسه دون أن يُجبره أحد علنًا. هنا لا تحتاج السلطة للعنف؛ يكفي أن تجعل الفرد يُصبح القاعدة نفسها.
اندثار الواقع
ظهرت لاهوتية جديدة لا تَعِد بخلاص روحاني، بل بوعد تقني: «التخلص من القلق» عبر الإشباع الفوري والتنبؤ بسلوكنا. في هذه اللاهوتية، الإنسان يصبح مادة خام، ليس فقط بيانات ليُستعمل في استهداف إعلاني، بل «خامات سلوكية» تُحوَّل إلى منتجات تنبؤية تُباع للسماسرة والمؤسسات. هذا اقتصادٌ جديد يحرّف علاقة السلطة بالذات: السلطة اليوم لا تُعاقب على الخطيئة، ولا تنقد النية، بل تُعيد تشكيل الرغبة عبر هندسة الاختيارات.
بعيدًا عن هندسة الاختيارات، التعزيز العاطفي المستمر الذي يتعرض له المستخدم: إشعارات، مُكافآت صغيرة، توصيات متتالية… كلها تعمل كطقوس يومية تكوّن ولاءً. الطقس هنا لَطِيف؛ الإدمان مُنتَج جانبي مرغوب فيه. عند فكرة قرارات المُصادَرة للظهور المرئية، تُترجم إلى حكم اجتماعي فوري: من يُمنح «مرئية» السوق، ومن يُستبعد. هذا الأسلوب يجعل الثقافة العامة ساحة صراعٍ بين نماذجٍ تَصوغ ما نرى ونحسُّ به، مع أن الجمهور يعتقد أنه مجرد متلقٍ.
وهناك تفكك الذات: عندما تُعرّف خوارزمية من أنت (ملف، فئة، درجة مخاطرة)، يبدأ الشخص يراها كمرآة موثوقة. هذا يعيد تشكيل الهوية الذاتية مع الوقت، بتغير المحتوى الذي تفعله الخوارزمية، وأثر التنبؤ الذي تفعله الخوارزمية. إذا أصبحت خياراتنا مَنقَّحة ومؤطرة عبر تنبؤات ثابتة، فمساحة الفعل الحرّ تتقلّص تدريجيًا، ليس بالقوانين، بل بالتصميم المضمر للاختيارات.
طبقات الواقع
نغوص هنا في قلب فكرة جان بودريار: أن المحاكاة لا تَمثِّل الواقع فحسب، بل تُلغي الحاجة إلى الأصل وتُنشئ «حياةً» خاصة بها، الـ hyperreality. ثم نربط ذلك عبر خيطّ دقيق إلى عصر الخوارزميات: كيف تحوّلت المنصات والنماذج إلى آلات إنتاج؟ ما الذي يُفقد عندما يكون العالم شبكة من الصور التي تُشير إلى صور أخرى؟ وما هي العواقب المعرفية والسياسية والوجودية؟ سأعرض بنيوية الفكرة، آليات التطبيق التقنية، أمثلة ميدانية مفصّلة، اعتراضات نقدية قوية، وأخيرًا أدوات مقاومة وتصورات بديلة، كل ذلك بعمق مفهومي وفلسفي.
بودريار لا يتكلّم عن «صور زائفة» فقط؛ هو يَرصد تحوّلًا في ترتيب العلامات حيث ننتقل من علاقة تمثيلية اعتيادية: علامة → واقع، إلى نظامٍ حيث العلامة تشير إلى علامات أخرى بلا الأصل؛ أي: المحاكاة أصبحت واقعًا مُستقلاً. هذه ليست مجرد استعارة نقدية للثقافة الاستهلاكية؛ هي وصف لنمط جديد للعالم، حيث الواقع «يفقد صلته» بالأصل، أو لم يعد أصلاً ذا أهمية.
الخوارزميات تتعلم من تفاعلنا، ثم تُعيد صياغة المحتوى بناءً على ما تعلّمته. هذا يعني أن «الذوق» الذي تراه هو في جزء كبير منه نتيجة فعلٍ سابقٍ لنفس النظام، دائرة تغذّي نفسها وتُكثّف أنماطًا معينة إلى درجة تصبح هي «الواقع الشائع».
القيم الاجتماعية تتحوّل إلى أرقام: معدلات مشاهدة، نسبة تفاعل، تصنيف. عندما تصير القيمة قابلة للقياس، تُصبح المعايير التي تحكم حياة الناس خاضعة لميكانيكيات حسابية. والنتيجة: تحويل المعنى إلى مقدار.
المنصة لا تسأل «هل الصورة أصلًا حقيقية؟»، بقدر ما تسأل «هل الصورة تولّد تفاعلًا؟» فإذا نجحت في التفاعل، تُعاد إنتاجها وتُعطى مكانة «حقيقية».
مع مولدات الصور/النصوص، يصبح من الممكن إنشاء محاكاة كاملة (مشاهد/أشخاص/أحداث)، ليس كنسخ لشيءٍ موجود، بل كـ«عالم»، ثم توظيفها لتغذية الموديلات، فتنتج محاكاة أقوى، حلقة توليدية ذاتية التعزيز.
عندما تُصمَّم الخوارزميات لإبقاء المستخدم ضمن نمط تفاعل معين، تُنتج نسخة «أفكارًا مرئية» لا تحاكي تنوّع الواقع، بل تصنع «واقعًا» مغلقًا. هنا يرتفع وزن السرد الداخلي على حساب الوقائع الخارجية.
صور/فيديوهات مُصنَّعة تُؤدي أفعالًا، وتقول كلمات ليست حقيقية، ولكنها تُنتَج لتأثير معيّن. عندما تصبح هذه المقاطع واسعة الانتشار، وتُستخدم لتشكيل رأي عام أو سوق، تختفي الحدود بين «ما حدث» و«ما أُنتج كخبر».
لماذا يهمّ هذا الفيلسوف أم الفيزيائي أم المواطن؟
إذا كان كلّ ربط بين علامة وأصل قابل للانقسام أو الانغلاق، يفقد كلامنا عن «الواقع الموضوعي» مكانته. المعرفة تصبح معرفة عن نظام العلامات، لا عن الواقع. هذا يقوّض الأساس التقليدي للمعرفة العلمية والقياس التجريبي.
تشكيل الذات
الذات تتكوّن من سرد وحِدس وذاكرة؛ إذا كانت الذاكرة الرقمية والتذكير مُحرّضة آليًا على أساس محاكاة متكررة، فإن الهوية تصبح مهندَسة عبر إشارات خارجية. الفرد قد يبدأ في الاعتقاد بأنه «كما تظهره الخوارزمية».
الاحتراق مع الإنسان المعاصر
لم يعد الإنسان المعاصر يعيش في عالم تحكمه الأوامر والقيود المباشرة، بل في فضاء ناعم وشفاف يبدو فيه كل شيء مباحاً وممكناً. هذا التحوّل، الذي كشفه الفيلسوف الكوري الألماني بيونغ تشول هان، ليس مجرد وصف اجتماعي عابر، بل تشريح جراحي لنفسية العصر. يرى هان أن العالم لم يعد مجتمع القمع كما كان في الماضي، بل تحوّل إلى مجتمع الإنجاز؛ مجتمع لا يحتاج إلى سلطة تصرخ في وجهك: “يجب عليك”، لأنك أصبحت أنت الشخص الذي يهمس لنفسه ليل نهار: “أستطيع، ويجب أن أنجح”. كل فرد أصبح مدير ذاته وسجّان نفسه في الوقت ذاته.
في هذا العالم الجديد، لم يعد الإنسان كائناً يريد أن يكون، بل مشروعاً لا يتوقف عن البناء والتعديل والتطوير. الذات تحولت إلى ورشة إنتاج مفتوحة، لا تتوقف عن قياس نفسها، وتحسين قدراتها، وتوثيق إنجازاتها. حتى الدقائق الفارغة باتت فرصة ضائعة، وحتى الهوايات تحولت إلى استثمار في العلامة الشخصية. لم يعد الوقت وقتًا، ولا الجسد جسدًا، ولا المشاعر مشاعر؛ كل شيء أصبح رأس مالاً رمزياً يمكن تعزيزه أو خسارته. هذه الحركة اللامتناهية نحو التحسين الذاتي لها ضريبة خفية: الاحتراق.
الإنسان لم يعد يواجه قمعًا خارجياً، لكنه ينهار تحت وطأة مطالبه الداخلية. لم يعد هناك استبداد سياسي يضطهده، بل استبداد ذاتي يجرده من الراحة. الشعور بالفشل لم يعد نتيجة إخفاق موضوعي، بل نتيجة مقارنة مستمرة مع نماذج مثالية لا وجود لها إلا على شاشات مضيئة. الذات لا ترتاح، لأنها لا تعتقد أنها تستحق الراحة قبل الإنجاز. إنها تركض، وتركض، وتلهث، دون أن تعرف ما الذي تطارده في الأصل.
هذا التحول ليس التعب الجسدي ولا الضغط النفسي، بل اختفاء الآخر. لم يعد الآخر كياناً مستقلاً يستحق الإصغاء، بل مجرد مرآة تعكس مدى نجاح الذات أو فشلها. العلاقات الإنسانية، التي كانت في جوهرها تجربة انفتاح على المختلف، أصبحت الآن تبادلات رمزية: عدد المتابعين، نوعية التعليقات، قابلية الظهور. حتى الحب، الذي كان حدثاً وجودياً يفتح الإنسان على عالم جديد، اختزل إلى علاقة مدارة وفق معايير الكفاءة العاطفية. الشغف صار خطراً يجب تجنبه، والألم صار دليلاً على علاقة غير ناجحة، والآخر لم يعد آخر، بل نسخة مطلوبة من الذات.
نيتشه في كل زمان
إذ قال نيتشه: الإنسان حيوان يقيم القيم. فهان قال: الإنسان الآن حيوان يقيس نفسه بالقيم التي لم يصنعها، بل ورثها من السوق.
إذا نيتشه كان يريد إنسانًا أعلى، فالسوق المعاصر صنعت الإنسان المتفوق إنتاجياً، نفس الشكل، روح ميتة.
كان نيتشه يرى أن الإنسان كائن لم يكتمل بعد؛ مشروع في طور التشكل. جوهر الإنسان — أو ما يشبه جوهره — ليس طاعة أخلاقية، ولا احتكاماً لقوانين ثابتة، بل إرادة للسلطة، إرادة لابتكار قيم جديدة تعطي الوجود معناه. من هنا ولد مفهوم الإنسان الأعلى: ليس كائناً خارقاً، بل إنساناً يمتلك شجاعة التأسيس القيمي، الجرأة على قول: «هكذا ينبغي أن يكون»، لا «هكذا هو».
إلا أن القرن الحادي والعشرين أفرز نموذجاً آخر للذات، لا مكان فيه لإرادة الخلق. الذات الجديدة ليست مبدعة للقيم، بل مُقاسة بها. هنا يدخل بيونغ-تشول هان مسرح الفكر ليكشف أن زمن الأخلاق القديمة انتهى، وأننا لا نعيش مجتمعاً يفرض علينا «لا تفعل»، كما كان المجتمع التأديبي القديم يفعل.
الضغط لم يعد يأتي من الخارج، بل من الداخل. الذات أصبحت سجّان نفسها.
من حيث هنا هذا الضغط تظهرالسيريالية






وااو مقال مخيف و عمل جبار .
هل بإمكان شخص ما أن يشرح لي معنى "لاهوتية" و "السيريالية" و شكرا .
من افضل ما قرأت مؤخرا وصفك مبهر فعلا